محمد بن وليد الطرطوشي

454

سراج الملوك

بصقلية أيام فتن العدوّ ، فزحف إلينا في البحر سفن تقارب ثلاثمائة سفينة ، وأرست في الساحل ، فرأينا أمرا مهولا ، وفينا الشيخ الصالح العابد ابن المستطارى ، فلجأ الناس إليه ، واستجمعوا حوله يتبركون به ، وينتظرون الفرج على يديه . قال : فنظر إلى السماء حينا ، وسجد ، وعفر خديه بالأرض يقلبهما يمينا وشمالا ، قال : فوالله ما ذهبنا حتى هبّت ريح ، مزقتها كل ممزق ، فلم يجتمع منها اثنان . وأخبرني : أبو القاسم بن فاتك رحمه الله تعالى قال : كنت في طريق الحجاز ، فعطش الناس في مفازة « 1 » تبوك ، ففقد الماء ولم يوجد إلا عند صاحب لي جمّال ، فجعل يبيعه بالدنانير بأرفع الأثمان ، فجاء رجل كان موسوما بالصلاح عليه مقطّعة « 2 » ، يحمل ركوة « 3 » ، ومعه شيء من دقيق ، فتشفع بي إلى الجمّال ، ليبيعه الماء بذلك الدقيق ، فكلّمته فأبى علىّ ، ثم عاودته فأبى ، قال : فبسط الرجل النّطع « 4 » في الأرض ، ونثر عليه الدقيق ، ثم رمق السماء وقال : إلهي أنا عبدك ، وهذا دقيقك ولا أملك غيره ، وقد أبى أن يقبله ، ثم ضرب بيده في النّطع ، وقال : ( وعزّتك لا برحت حتى أشرب ) فوالله ما تفرّقنا حتى نشأ السحاب ، فأمطر للحين ، فشرب الماء ولم يبرح ، فكان كما قال النبي صلى اللّه عليه وسلم : « ربّ أشعث أغبر ذي طمرين لا يؤبه له لو أقسم على الله لأبرّه » « 5 » .

--> ( 1 ) المفازة : الفلاة لا ماء فيها ، وقيل سميت مفازة لأنها مظنة الموت فمن خرج منها وقطعها فقد فاز . وتبوك واحة في الحجاز اشتهرت بغزوة النبي صلى اللّه عليه وسلم سنة 9 ه . ( 2 ) المقطعة : أي يلبس قطعة من جلد بالية وقديمة وممزقة . ( 3 ) الركوة : إناء صغير من جلد يشرب فيه . ( 4 ) النطع : القطعة من الجلد التي كان يلبسها الرجل . ( 5 ) الحديث صحيح رواه الحاكم في المستدرك وأبو نعيم في الحلية عن أبي هريرة بلفظ ( رب أشعث أغبر وذي كمرين تنبو عن أعين الناس . . . الحديث ) ورواه البزار عن ابن مسعود ( لا يؤبه له . . . ) ورواه مسلم في صحيحه برقم 2622 في كتاب البر والصلة باب فضل الضعفاء والخاملين عن أبي هريرة ( رب أشعث مدفوع الأبواب . . . الحديث ) و - الجامع الصغير رقم 4401 ، 4402 ) ، ومعنى أشعث : أي متلبد الشعر لا يدهنه ولا يرجله ولا يكثر غسله . ذو الطمرين : من أثوابه خلقة بالية ممزقة . مدفوع الأبواب : أي تحجب عنه الأبواب لحقارته بأعين الناس ولا يؤبه له . لو أقسم على الله لأبره : أي لو حلف على وقوع شيء لأوقعه الله له إكراما له بإجابة سؤاله .